فصل: مَذْهَبُ الطّبَرِيّ فِي الْحَضَانَةِ وَسُقُوطُهَا بِالتّزْوِيجِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.الِاخْتِلَافُ فِي إسْقَاطِ الْحَضَانَةِ بِالتّزْوِيجِ:

فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ مَدَارِكَ فِي الْحَدِيثِ لِلْفُقَهَاءِ أَحَدُهَا: أَنّ نِكَاحَ الْحَاضِنَةِ لَا يُسْقِطُ حَضَانَتَهَا كَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيّ وَقَضَى بِهِ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي مُحَمّدٍ ابْنِ حَزْمٍ.
وَالثّانِي: أَنّ نِكَاحَهَا لَا يُسْقِطُ حَضَانَةَ الْبِنْتِ وَيُسْقِطُ حَضَانَةَ الِابْنِ كَمَا قَالَهُ أَحْمَدُ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ.
وَالثّالِثُ أَنّ نِكَاحَهَا لِقَرِيبِ الطّفْلِ لَا يُسْقِطُ حَضَانَتَهَا وَنِكَاحَهَا لِلْأَجْنَبِيّ يُسْقِطُهَا كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ.

.مَذْهَبُ الطّبَرِيّ فِي الْحَضَانَةِ وَسُقُوطُهَا بِالتّزْوِيجِ:

وَفِيهِ مَدْرَكٌ رَابِعٌ لِمُحَمّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطّبَرِيّ وَهُوَ أَنّ الْحَاضِنَةَ إنْ كَانَتْ أُمّا وَالْمُنَازِعُ لَهَا الْأَبُ سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا بِالتّزْوِيجِ وَإِنْ كَانَتْ خَالَةً أَوْ غَيْرَهَا مِنْ نِسَاءِ الْحَضَانَةِ لَمْ تَسْقُطْ حَضَانَتُهَا بِالتّزْوِيجِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ أُمّا وَالْمُنَازِعُ لَهَا غَيْرُ الْأَبِ مِنْ أَقَارِبِ الطّفْلِ لَمْ تَسْقُطْ حَضَانَتُهَا. وَنَحْنُ نَذْكُرُ كَلَامَهُ وَمَا لَهُ وَعَلَيْهِ فِيهِ قَالَ فِي تَهْذِيبِ الْآثَارِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ ابْنَةِ حَمْزَةَ: فِيهِ الدّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنّ قَيّمَ الصّبِيّةِ الصّغِيرَةِ وَالطّفْلِ الصّغِيرِ مِنْ قَرَابَتِهِمَا مِنْ قِبَلِ أُمّهَاتِهِمَا مِنْ النّسَاءِ أَحَقّ بِحَضَانَتِهِمَا مِنْ عَصَبَاتِهِمَا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَإِنْ كُنّ ذَوَاتِ أَزْوَاجٍ غَيْرِ الْأَبِ الّذِي هُمَا مِنْهُ وَذَلِكَ أَنّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَضَى بِابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا فِي الْحَضَانَةِ وَقَدْ تَنَازَعَ فِيهَا ابْنَا عَمّهَا عَلِيّ وَجَعْفَرٌ وَمَوْلَاهَا وَأَخُو أَبِيهَا الّذِي كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَخَالَتُهَا يَوْمَئِذٍ لَهَا زَوْجٌ غَيْرُ أَبِيهَا وَذَلِكَ بَعْدَ مَقْتَلِ حَمْزَةَ وَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ صِحّةُ قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا حَقّ لِعَصَبَةِ الصّغِيرِ وَالصّغِيرَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ فِي حَضَانَتِهِ مَا لَمْ تَبْلُغْ حَدّ الِاخْتِيَارِ بَلْ قَرَابَتُهُمَا مِنْ النّسَاءِ مِنْ قِبَلِ أُمّهِمَا أَحَقّ وَإِنْ كُنّ ذَوَاتِ أَزْوَاجٍ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَك عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنّ أُمّ الصّغِيرِ وَالصّغِيرَةِ وَقَرَابَتَهُمَا مِنْ النّسَاءِ مِنْ قِبَلِ أُمّهَاتِهِمَا أَحَقّ بِحَضَانَتِهِمَا وَإِنْ كُنّ ذَوَاتِ أَزْوَاجٍ مِنْ قَرَابَتِهِمَا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ مِنْ الرّجَالِ الّذِينَ هُمْ عَصَبَتُهُمَا فَهَلّا كَانَتْ الْأُمّ ذَاتُ الزّوْجِ كَذَلِكَ مَعَ وَالِدِهِمَا الْأَدْنَى وَالْأَبْعَدِ كَمَا كَانَتْ الْخَالَةُ أَحَقّ بِهِمَا؟ وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ غَيْرُ أَبِيهِمَا وَإِلّا فَمَا الْفَرْقُ؟ قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ وَذَلِكَ لِقِيَامِ الْحُجّةِ بِالنّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ رِوَايَتُهُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الْأُمّ أَحَقّ بِحَضَانَةِ الْأَطْفَالِ إذَا كَانَتْ بَانَتْ مِنْ وَالِدِهِمْ مَا لَمْ تَنْكِحْ زَوْجًا غَيْرَهُ وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ مَنْ يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى الْحُجّةِ فِيمَا نَعْلَمُهُ. وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ وَإِنْ كَانَ فِي إسْنَادِهِ نَظَرٌ فَإِنّ النّقْلَ الّذِي وَصَفْتُ أَمْرَهُ دَالّ عَلَى صِحّتِهِ وَإِنْ كَانَ وَاهِيَ السّنَدِ. ثُمّ سَاقَ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ أَنْتِ أَحَقّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي مِنْ طَرِيقِ الْمُثَنّى بْنِ الصّبّاحِ عَنْهُ. ثُمّ قَالَ وَأَمّا إذَا نَازَعَهَا فِيهِ عَصَبَةُ أَبِيهِ فَصِحّةُ الْخَبَرِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّذِي ذَكَرْنَاهُ أَنّهُ جَعَلَ الْخَالَةَ ذَاتَ الزّوْجِ غَيْرِ أَبِي الصّبِيّةِ أَحَقّ بِهَا مِنْ بَنِي عَمّهَا وَهُمْ عَصَبَتُهَا فَكَانَتْ الْأُمّ أَحَقّ بِأَنْ تَكُونَ أَوْلَى مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ غَيْرُ أَبِيهَا لِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّمَا جَعَلَ الْخَالَةَ أَوْلَى مِنْهُمْ لِقَرَابَتِهَا مِنْ الْأُمّ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَاَلّذِي وَصَفْنَا تَبَيّنَ أَنّ الْقَوْلَ الّذِي قُلْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَصْلُ إحْدَاهُمَا مِنْ جِهَةِ النّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ وَالْأُخْرَى مِنْ جِهَةِ نَقْلِ الْآحَادِ الْعُدُولِ فَإِذَا كَانَ الْقِيَاسُ إنّمَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا لَا نَصّ فِيهِ مِنْ الْأَحْكَامِ فَأَمّا مَا فِيهِ نَصّ مِنْ كِتَابِ اللّهِ أَوْ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَا حَظّ فِيهِ لِلْقِيَاسِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ زَعَمْتَ أَنّك إنّمَا أَبْطَلْت حَقّ الْأُمّ مِنْ الْحَضَانَةِ إذَا نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَ أَبِي الطّفْلِ وَجَعَلْت الْأَبَ أَوْلَى بِحَضَانَتِهَا مِنْهَا بِالنّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ كَمَا قُلْت؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيّ كَانَ يَقُولُ الْمَرْأَةُ أَحَقّ بِوَلَدِهَا وَإِنْ تَزَوّجَتْ وَقَضَى بِذَلِكَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ. قِيلَ إنّ النّقْلَ الْمُسْتَفِيضَ الّذِي تَلْزَمُ بِهِ الْحُجّةُ فِي الدّينِ عِنْدَنَا لَيْسَ صِفَتَهُ أَلّا يَكُونَ لَهُ مُخَالِفٌ وَلَكِنّ صِفَتَهُ أَنْ يَنْقُلَهُ قَوْلًا وَعَمَلًا مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمّةِ مَنْ يَنْتَفِي عَنْهُ أَسْبَابُ الْكَذِبِ وَالْخَطَأِ وَقَدْ نَقَلَ مَنْ صِفَتُهُ ذَلِكَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمّةِ أَنّ الْمَرْأَةَ إذَا نَكَحَتْ بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا مِنْ زَوْجِهَا زَوْجًا غَيْرَهُ أَنّ الْأَبَ أَوْلَى بِحَضَانَةِ ابْنَتِهَا مِنْهَا فَكَانَ ذَلِكَ حُجّةً لَازِمَةً غَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا بِالرّأْيِ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ فِي قَوْلِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ.

.ذِكْرُ مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ مَقْبُولٍ وَمَرْدُودٍ:

فَأَمّا قَوْلُهُ إنّ فِيهِ الدّلَالَةَ عَلَى أَنّ قَرَابَةَ الطّفْلِ مِنْ قِبَلِ أُمّهَاتِهِ مِنْ النّسَاءِ أَحَقّ بِحَضَانَتِهِ مِنْ عَصَبَاتِهِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَإِنْ كُنّ ذَوَاتِ أَزْوَاجٍ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ الْبَتّةَ بَلْ أَحَدُ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَمّا الِابْنَةُ فَإِنّي أَقْضِي بِهَا لِجَعْفَرِ وَأَمّا اللّفْظُ الْآخَرُ فَقَضَى بِهَا لِخَالَتِهَا وَقَالَ هِيَ أُمّ وَهُوَ اللّفْظُ الّذِي احْتَجّ بِهِ أَبُو جَعْفَرٍ فَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنّ قَرَابَةَ الْأُمّ مُطْلَقًا أَحَقّ مِنْ قَرَابَةِ الْأَبِ بَلْ إقْرَارُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلِيّا وَجَعْفَرًا عَلَى دَعْوَى الْحَضَانَةِ يَدُلّ عَلَى أَنّ لِقَرَابَةِ الْأَبِ مَدْخَلًا فِيهَا وَإِنّمَا قَدّمَ الْخَالَةَ لِكَوْنِهَا أُنْثَى مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ فَتَقْدِيمُهَا عَلَى قَرَابَةِ الْأَبِ كَتَقْدِيمِ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ وَالْحَدِيثُ لَيْسَ فِيهِ لَفْظٌ عَامّ يَدُلّ عَلَى مَا ادّعَاهُ لَا مِنْ أَنّ مَنْ كَانَ مِنْ قَرَابَةِ الْأُمّ أَحَقّ بِالْحَضَانَةِ مِنْ الْعَصَبَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ تَكُونَ بِنْتُ الْأُخْتِ لِلْأُمّ أَحَقّ مِنْ الْعَمّ وَبِنْتُ الْخَالَةِ أَحَقّ مِنْ الْعَمّ وَالْعَمّةِ فَأَيْنَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى هَذَا فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ وَاضِحَةً. قَوْلُهُ وَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ صِحّةُ قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا حَقّ لِعَصَبَةِ الصّغِيرِ وَالصّغِيرَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ فِي حَضَانَتِهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدّ الِاخْتِيَارِ يَعْنِي: فَيُخَيّرُ بَيْنَ قَرَابَةِ أَبِيهِ وَأُمّهِ فَيُقَالُ لَيْسَ ذَلِكَ مَعْلُومًا مِنْ الْحَدِيثِ وَلَا مَظْنُونًا وَإِنّمَا دَلّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنّ ابْنَ الْعَمّ الْمُزَوّجَ بِالْخَالَةِ أَوْلَى مِنْ ابْنِ الْعَمّ الّذِي لَيْسَ تَحْتَهُ خَالَةُ الطّفْلِ وَيَبْقَى تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ هَلْ كَانَتْ جِهَةُ التّعْصِيبِ مُقْتَضِيَةً لِلْحَضَانَةِ فَاسْتَوَتْ فِي شَخْصَيْنِ؟ فَرَجّحَ أَحَدَهُمَا بِكَوْنِ خَالَةِ الطّفْلِ عِنْدَهُ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ كَمَا فَهِمَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَوْ أَنّ قَرَابَةَ الْأُمّ وَهِيَ الْخَالَةُ أَوْلَى بِحَضَانَةِ الطّفْلِ مِنْ عَصَبَةِ الْأَبِ وَلَمْ تَسْقُطْ حَضَانَتُهَا بِالتّزْوِيجِ إمّا لِكَوْنِ الزّوْجِ لَا يُسْقِطُ الْحَضَانَةَ مُطْلَقًا كَقَوْلِ الْحَسَنِ وَمَنْ وَافَقَهُ وَإِمّا لِكَوْنِ الْمَحْضُونَةِ بِنْتًا كَمَا قَالَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَإِمّا لِكَوْنِ الزّوْجِ قَرَابَةَ الطّفْلِ كَالْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَإِمّا لِكَوْنِ الْحَاضِنَةِ غَيْرِ أُمّ نَازَعَهَا الْأَبُ كَمَا قَالَهُ أَبُو جَعْفَرٍ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ مَدَارِكَ وَلَكِنّ الْمَدْرَكَ الّذِي اخْتَارَهُ أَبُو جَعْفَرٍ ضَعِيفٌ جِدّا فَإِنّ الْمَعْنَى الّذِي أَسْقَطَ حَضَانَةَ الْأُمّ بِتَزْوِيجِهَا هُوَ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ نِسَاءِ الْحَضَانَةِ وَالْخَالَةُ غَايَتُهَا أَنْ تَقُومَ مَقَامَ الْأُمّ وَتُشَبّهُ بِهَا فَلَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْهَا وَكَذَلِكَ سَائِرُ قَرَابَةِ الْأُمّ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَحْكُمْ حُكْمًا عَامّا أَنّ سَائِرَ أَقَارِبِ الْأُمّ مَنْ كُنّ لَا تَسْقُطُ حَضَانَتُهُنّ بِالتّزْوِيجِ وَإِنّمَا حَكَمَ حُكْمًا مُعَيّنًا لِخَالَةِ ابْنَةِ حَمْزَةَ بِالْحَضَانَةِ مَعَ كَوْنِهَا مُزَوّجَةً بِقَرِيبِ مِنْ الطّفْلِ وَالطّفْلُ ابْنَةٌ. وَأَمّا الْفَرْقُ الّذِي فَرّقَ بَيْنَ الْأُمّ وَغَيْرِهَا بِالنّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ إلَى آخِرِهِ فَيُرِيدُ بِهِ الْإِجْمَاعَ الّذِي لَا يَنْقُضُهُ عِنْدَهُ مُخَالَفَةُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَهَذَا أَصْلٌ تَفَرّدَ بِهِ وَنَازَعَهُ فِيهِ النّاسُ. وَأَمّا حُكْمُهُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِأَنّهُ وَاهٍ فَمَبْنِيّ عَلَى مَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ طَرِيقِهِ فَإِنّ فِيهِ الْمُثَنّى بْنَ الصّبّاحِ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ مَتْرُوكٌ وَلَكِنّ الْحَدِيثَ قَدْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ.

.فصل الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ فِي قِصّةِ بِنْتِ حَمْزَةَ:

وَفِي الْحَدِيثِ مَسْلَكٌ خَامِسٌ وَهُوَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَضَى بِهَا لِخَالَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ لِأَنّ الْبِنْتَ تَحْرُمُ عَلَى الزّوْجِ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا وَقَدْ نَبّهَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى هَذَا بِعَيْنِهِ فِي حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَقَالَ فِيهِ وَأَنْتَ يَا جَعْفَرُ أَوْلَى بِهَا: تَحْتَكَ خَالَتُهَا وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا وَلَيْسَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَصّ يَقْتَضِي أَنّ يَكُونَ الْحَاضِنُ ذَا رَحِمٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الْبِنْتُ عَلَى التّأْبِيدِ حَتّى يُعْتَرَضَ بِهِ عَلَى هَذَا الْمَسْلَكِ بَلْ هَذَا مِمّا لَا تَأْبَاهُ قَوَاعِدُ الْفِقْهِ وَأُصُولُ الشّرِيعَةِ فَإِنّ الْخَالَةَ مَا دَامَتْ فِي عِصْمَةِ الْحَاضِنِ فَبِنْتُ أُخْتِهَا مُحَرّمَةٌ عَلَيْهِ فَإِذَا فَارَقَهَا فَهِيَ مَعَ خَالَتِهَا فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا وَلَا رَيْبَ أَنّ الْقَوْلَ بِهَذَا أَخْيَرُ وَأَصْلَحُ لِلْبِنْتِ مِنْ رَفْعِهَا إلَى الْحَاكِمِ يَدْفَعُهَا إلَى أَجْنَبِيّ تَكُونُ عِنْدَهُ إذْ الْحَاكِمُ غَيْرُ مُتَصَدّ لِلْحَضَانَةِ بِنَفْسِهِ فَهَلْ يَشُكّ أَحَدٌ أَنّ مَا حَكَمَ بِهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ هُوَ عَيْنُ الْمَصْلَحَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ وَغَايَةُ الِاحْتِيَاطِ لِلْبِنْتِ وَالنّظَرِ لَهَا وَأَنّ كُلّ حُكْمٍ خَالَفَهُ لَا يَنْفَكّ عَنْ جَوْرٍ أَوْ فَسَادٍ لَا تَأْتِي بِهِ الشّرِيعَةُ فَلَا إشْكَالَ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْإِشْكَالُ كُلّ الْإِشْكَالِ فِيمَا خَالَفَهُ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التّكْلَانُ.

.ذِكْرُ حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي النّفَقَةِ عَلَى الزّوْجَاتِ:

وَأَنّهُ لَمْ يُقَدّرْهَا وَلَا وَرَدَ عَنْهُ مَا يَدُلّ عَلَى تَقْدِيرِهَا وَإِنّمَا رَدّ الْأَزْوَاجَ فِيهَا إلَى الْعُرْفِ. ثَبَتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنّهُ قَالَ فِي خُطْبَةِ حَجّةِ الْوَدَاعِ بِمَحْضَرِ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِبِضْعَةٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا: وَاتّقُوا اللّهَ فِي النّسَاءِ فَإِنّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنّ بِأَمَانَةِ اللّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنّ بِكَلِمَةِ اللّهِ وَلَهُنّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنّ وَكِسْوَتُهُنّ بِالْمَعْرُوفِ وَثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الصّحِيحَيْنِ: أَنّ هِنْدًا امْرَأَةَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَتْ لَهُ إنّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ النّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إلّا مَا أَخَذْت مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَقَالَ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوف وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ أَتَيْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا تَقُولُ فِي نِسَائِنَا؟ قَالَ أَطْعِمُوهُنّ مِمّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُنّ مِمّا تَلْبَسُونَ وَلَا تَضْرِبُوهُنّ وَلَا تُقَبّحُوهُنّ وَهَذَا الْحُكْمُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُطَابِقٌ لِكِتَابِ اللّهِ عَزّ وَجَلّ حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمّ الرّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنّ وَكِسْوَتُهُنّ بِالْمَعْرُوفِ} [الْبَقَرَةِ 233] وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَعَلَ نَفَقَةَ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نَفَقَةِ الْخَادِمِ وَسَوّى بَيْنَهُمَا فِي عَدَمِ التّقْدِيرِ وَرَدّهُمَا إلَى الْمَعْرُوفِ فَقَالَ لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ فَجَعَلَ نَفَقَتَهُمَا بِالْمَعْرُوفِ وَلَا رَيْبَ أَنّ نَفَقَةَ الْخَادِمِ غَيْرُ مُقَدّرَةٍ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَقْدِيرِهَا. وَصَحّ عَنْهُ فِي الرّقِيقِ أَنّهُ قَالَ أَطْعِمُوهُمْ مِمّا تَأْكُلُونَ وَأَلْبِسُوهُمْ مِمّا تَلْبَسُونَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ كَمَا قَالَ فِي الزّوْجَةِ سَوَاءٌ. أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ امْرَأَتُك تَقُولُ إمّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمّا أَنْ تُطَلّقَنِي وَيَقُولُ الْعَبْدُ أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي. وَيَقُولُ الِابْنُ أَطْعِمْنِي إلَى مَنْ تَدَعُنِي فَجَعَلَ نَفَقَةَ الزّوْجَةِ وَالرّقِيقِ وَالْوَلَدِ كُلّهَا الْإِطْعَامَ لَا التّمْلِيكَ. وَرَوَى النّسَائِيّ هَذَا مَرْفُوعًا إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ تَعَالَى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ} [الْمَائِدَةِ 89] وَصَحّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أَنّهُ قَالَ الْخُبْزُ وَالزّيْتُ وَصَحّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَالسّمْنُ وَالْخُبْزُ وَالتّمْرُ وَمِنْ أَفْضَلِ مَا تُطْعِمُونَ الْخُبْزُ وَاللّحْم فَفَسّرَ الصّحَابَةُ إطْعَامَ الْأَهْلِ بِالْخُبْزِ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْأُدْمِ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ ذَكَرَا الْإِنْفَاقَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ وَلَا تَقْدِيرٍ وَلَا تَقْيِيدٍ فَوَجَبَ رَدّهُ إلَى الْعُرْفِ لَوْ لَمْ يَرُدّهُ إلَيْهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَكَيْفَ وَهُوَ الّذِي رَدّ ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ وَأَرْشَدَ أُمّتَهُ إلَيْهِ؟ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ أَهْلَ الْعُرْفِ إنّمَا يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى أَهْلِيهِمْ حَتّى مَنْ يُوجِبُ التّقْدِيرَ الْخُبْزُ وَالْإِدَامُ دُونَ الْحَبّ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ إنّمَا كَانُوا يُنْفِقُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ كَذَلِكَ دُونَ تَمْلِيكِ الْحَبّ وَتَقْدِيرِهِ وَلِأَنّهَا نَفَقَةٌ وَاجِبَةٌ بِالشّرْعِ فَلَمْ تُقَدّرْ بِالْحَبّ كَنَفَقَةِ الرّقِيقِ وَلَوْ كَانَتْ مُقَدّرَةً لَأَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هِنْدًا أَنْ تَأْخُذَ الْمُقَدّرَ لَهَا شَرْعًا وَلَمّا أَمَرَهَا أَنْ تَأْخُذَ مَا يَكْفِيهَا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ وَرَدّ الِاجْتِهَادَ فِي ذَلِكَ إلَيْهَا وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ قَدْرَ كِفَايَتِهَا لَا يَنْحَصِرُ فِي مُدّيْنِ وَلَا فِي رِطْلَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِمَا وَلَا يَنْقُصُ وَلَفْظُهُ لَمْ يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهِ وَلَا إيمَاءٍ وَلَا إشَارَةٍ وَإِيجَابُ مُدّيْنِ أَوْ رِطْلَيْنِ خُبْزًا قَدْ يَكُونُ أَقَلّ مِنْ الْكِفَايَةِ فَيَكُونُ تَرْكًا كَانَ أَقَلّ مِنْ مُدّ أَوْ مِنْ رِطْلَيْ خُبْزٍ إنْفَاقٌ بِالْمَعْرُوفِ فَيَكُونُ هَذَا هُوَ الْوَاجِبَ بِالْكِتَابِ وَالسّنّةِ وَلِأَنّ الْحَبّ يُحْتَاجُ إلَى طَحْنِهِ وَخَبْزِهِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ فَإِنْ أَخْرَجَتْ ذَلِكَ مِنْ مَالِهَا لَمْ تَحْصُلْ الْكِفَايَةُ بِنَفَقَةِ الزّوْجِ وَإِنْ فَرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَهَا مِنْ مَالِهِ كَانَ الْوَاجِبُ حَبّا وَدَرَاهِمَ وَلَوْ طَلَبَتْ مَكَانَ الْخُبْزِ دَرَاهِمَ أَوْ حَبّا أَوْ دَقِيقًا أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ وَلَوْ عَرَضَ عَلَيْهَا ذَلِكَ أَيْضًا لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ لِأَنّ ذَلِكَ مُعَاوَضَةٌ فَلَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى قَبُولِهَا وَيَجُوزُ تَرَاضِيهِمَا عَلَى مَا اتّفَقَا عَلَيْهِ.

.الِاخْتِلَافُ فِي مِقْدَارِ النّفَقَةِ عِنْدَ مَنْ قَدّرَهَا:

وَاَلّذِينَ قَدّرُوا النّفَقَةَ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ قَدّرَهَا بِالْحَبّ وَهُوَ الشّافِعِيّ فَقَالَ نَفَقَةُ الْفَقِيرِ مُدّ بِمُدّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَنّ أَقَلّ مَا يُدْفَعُ فِي الْكَفّارَةِ إلَى الْوَاحِدِ مُدّ وَاللّهُ سُبْحَانَهُ اعْتَبَرَ الْكَفّارَةَ بِالنّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ فَقَالَ: {فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ} [الْمَائِدَةِ 89] قَالَ وَعَلَى الْمُوسِرِ مُدّانِ لِأَنّ أَكْثَرَ مَا أَوْجَبَ اللّهُ سُبْحَانَهُ لِلْوَاحِدِ مُدّانِ فِي كَفّارَةِ الْأَذَى وَعَلَى الْمُتَوَسّطِ مُدّ وَنِصْفٌ نِصْفُ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ وَنِصْفُ نَفَقَةِ الْفَقِيرِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: مُقَدّرَةٌ بِمِقْدَارِ لَا يَخْتَلِفُ فِي الْقِلّةِ وَالْكَثْرَةِ وَالْوَاجِبُ رِطْلَانِ مِنْ الْخُبْزِ فِي كُلّ يَوْمٍ فِي حَقّ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ اعْتِبَارًا بِالْكَفّارَاتِ وَإِنّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي صِفَتِهِ وَجَوْدَتِهِ لِأَنّ الْمُوسِرَ وَالْمُعْسِرَ سَوَاءٌ فِي قَدْرِ الْمَأْكُولِ وَمَا تَقُومُ بِهِ الْبِنْيَةُ وَإِنّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي جَوْدَتِهِ فَكَذَلِكَ النّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ.

.حُجَجُ الْجُمْهُورِ عَلَى عَدَمِ التّقْدِيرِ:

وَالْجُمْهُورُ قَالُوا: لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصّحَابَةِ قَطّ تَقْدِيرُ النّفَقَةِ لَا بِمُدّ وَلَا بِرِطْلِ وَالْمَحْفُوظُ عَنْهُمْ بَلْ الّذِي اتّصَلَ بِهِ الْعَمَلُ فِي كُلّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ مَا ذَكَرْنَاهُ. قَالُوا: وَمَنْ الّذِي سَلّمَ لَكُمْ التّقْدِيرَ بِالْمُدّ وَالرّطْلِ فِي الْكَفّارَةِ وَاَلّذِي دَلّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسّنّةُ أَنّ الْوَاجِبَ فِي الْكَفّارَةِ الْإِطْعَامُ فَقَطْ لَا التّمْلِيكُ قَالَ تَعَالَى فِي كَفّارَةِ الْيَمِينِ {فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [الْمَائِدَةِ 89] وَقَالَ فِي كَفّارَةِ الظّهَارِ {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِينًا} [الْمُجَادَلَةِ 4] وَقَالَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [الْبَقَرَةِ 196] وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ فِي إطْعَامِ الْكَفّارَاتِ غَيْرُ هَذَا وَلَيْسَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْهَا تَقْدِيرُ ذَلِكَ بِمُدّ وَلَا رِطْلٍ وَصَحّ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لِمَنْ وَطِئَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَطْعِمْ سِتّينَ مِسْكِينًا وَكَذَلِكَ قَالَ لِلْمُظَاهِرِ وَلَمْ يَحُدّ ذَلِكَ بِمُدّ وَلَا رِطْلٍ.